أحمد مصطفى المراغي

16

تفسير المراغي

يباح للمضطر بأن يتجاوز فيه حد الضرورة كما بينه اللّه بقوله : « فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ » وهذه الجملة من جوامع الكلم والأصول العامة في تحريم الآثام ، ومن ثم قال ابن الأنباري : المراد بذلك ترك الإثم من جميع جهاته كما تقول ما أخذت من هذا المال لا قليلا ولا كثيرا تريد ما أخذت منه بوجه من الوجوه . ( إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ ) أي إن الذين يكسبون نوعا من الآثام الظاهرة أو الباطنة سيلقون جزاء إنهم وعاقبة كسبهم للذنوب التي أفسدت فطرتهم ودست نفوسهم بإصرارهم عليها ومعاودتها المرة بعد المرة . أما الذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب ولم يصرّوا على ما فعلوا وهم يعلمون ، فهؤلاء يتوب اللّه عليهم ويمحو تأثير الإثم في قلوبهم ، بما يفعلونه من الحسنات كما قال تعالى : « إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ » وبذلك تعود نفوسهم زكية وتلقى ربها سليمة نقية من أدران السوء التي كانت قد وقعت منها لما ما . واتفق المسلمون على أن التوبة تمحو الحوبة : أي أن التوبة الصحيحة بالعزم الصادق والندم على ما فات تمحو آثار الذنب الماضي ، فإن اللّه قد يعفو عن المذنب فيغفر له ما فرط منه من الذنوب كما قال : « إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ » * . ثم صرح سبحانه بالنهى عن ضد ما فهم من الأمر السابق وهو قوله : ( فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ) لشدة العناية به لأنه من أظهر أعمال الشرك فقال : ( وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ) أي ولا تأكلوا أيها المؤمنون مما مات فلم تذبحوه ، ولا ما أهل لغير اللّه به مما ذبحه المشركون لأوثانهم فإن أكل ذلك فسق ومعصية كما جاء في الآية الأخرى « أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ » . [ تنبيه ] : قال مالك : كل ما ذبح ولم يذكر اسم اللّه تعالى عليه فهو حرام ، ترك لذكر